” أومأ محسن برأسه، ثم قال بجدّية مشوبة بالقلق: _ “فعلاً يا فندم، باقي الشركات عروضها أضعف. بس الخوف كله من الشركات الأجنبية. يعني في شركة اسمها (A.M)، بصراحة شايف إن عرضهم قوي جدًا.” تغيّرت ملامح بدر في لحظة، وارتسم على وجهه عبوسٌ غاضب.
ضــ,,ـــــرب بقبــ,,ـــــضته سطح المكتب بقوة، حتى اهتزّت الأوراق من أمامه، وهتف بغضب حاد: _ “إزاي يعني؟! لسه فاكر تقولي دلوقتي؟! وبعدين مش دي نفس الشركة اللي أخدت المناقصة اللي فاتت؟!” ارتبك محسن، وانكمشت ملامحه، وأومأ سريعًا برأسه وهو يردّ بصوت منخفض مليء بالتوتر: _ “أيوه يا فندم… هي نفس الشركة.
” نهض بدر واقفًا بعصبية، يداه تتشنّجان، وصوته خرج صارمًا كالسيف: _ “في أسرع وقت… عايز ملف كامل عن الشركة دي! كل حاجة… كل تفصيلة! فاهم؟!” هزّ محسن رأسه بجدية، محاولًا كتم توتره: _ “تحت أمرك يا فندم.
” ثم استأذن في المغادرة، وانسحب من المكتب بخطوات متعجلة. في الخارج، دخل مكتبه الخاص وجلس خلف مكتبه المتواضع. أخرج من أحد الأدراج صورة قديمة، كانت مخبّأة بعناية… صورة تجمعه بها، تلك التي سكنت قلبه طويلًا. كانت بين ذراعيه، تبتسم في سعادةٍ بريئة، وعيناها تلمعان ببريق الحياة.
كم كانت جميلة… وكم كانت تلك الابتسامة كافية لشفاء قلبه ذات يوم. لكن تلك الذكرى لم تُسعده، بل أشعلت في صدـ,,ـــره نــ,,ـــــارًا لا تنطفئ. تذكّر كيف كسرت قلبه، كيف أهانته أمام الجميع دون رحمة. تذكّر نظرات الشماتة، والخذلان، والذهول، حين مزّقت كرامته بكلماتها الجارحة.
احتقنت عيناه، واحمرّ وجهه من شدّة الغضب، وغلى الدم في عروقه حتى شعر أن جسده كله سينفجر من الغليان. صرّ على أسنانه، ثم فجأة، ومن دون تفكير، رماها بقوة نحو الحائط. تحطّم الزجاج إلى شظايا متناثرة، وتبعثرت الذكرى، لكن الألم… بقي ينزف بصمت.
♕♕♕♕♕♕♕♕♕ كانت تتحدث عبر الهاتف، تركّز في كل كلمة تُقال، ملامحها مشدودة ولكن عيناها تلمعان بحماسة خفية. أنهت المكالمة بابتسامة عريضة ارتسمت على شفتيها، ابتسامة نصر ناعم ينبئ بنجاح خطتها كما أرادت. دلف “مراد” إلى المكتب بخطوات واثقة، وجلس أمامها، يتأمل وجهها الذي لا يزال يحمل آثار تلك المكالمة، ثم قال بنبرة تجمع بين الاهتمام والمزاح: _ “لسّه زعلانة من اللي حصل الصبح؟
” نهضت من مكانها، دارت حول المكتب بخطوات محسوبة، ثم جلست أمامه، تطلّ عليه بعينين تحملان عتابًا مكتومًا، وأجابته بنبرة مقتضبة، يخالطها بعض الجفاء: _ “أنت عارف إني عمرى ما بزعل منك… بس اللى قولته الصبح ما ينفعش يتكرر تاني، مفهوم؟
” ابتسم بخفة وتسلية، محاولًا كسر التوتر الذي خيّم على الأجواء: _ “برضه مفيش فايدة فيكي… زي ما انتي. على العموم، كنت عايزك تجهّزي نفسك علشان مؤتمر رجال الأعمال اللي هيتعمل في مصر.” تبدّلت ملامحها في لحظة، واشتعل الغضب في عينيها، صوّبت نظراتها الحادة نحوه، ثم ردّت بنبرة حادة، تفيض بنفاد الصبر: _ “قولتلك… مش هنسافر!
أنت مش عايز تفهم ليه؟!” اقترب منها بهدوء، وانحنى قليلًا حتى صار على مقربة من وجهها، ثم أمسك يديها برفق، وعيناه تنطقان بمحبة وحرص: _ “اهدي… مفيش حاجة هتحصل، أنا جنبك. مش هنفضل عايشين في خوف طول العمر.



النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.